ابن بطوطة

141

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

مكان رحلة ابن بطّوطة من أدب الرحلات يلاحظ في المؤلفات العربية على العموم ، وخاصة منها التي تتصل بالأدب العربي ، غياب الحديث عن الذين يكتبون تلك التأليف ، عن شخصيتهم ، عن أفكارهم ، عن أحاسيسهم ، بحيث إنك تقرأ الكتاب من ألفه إلى يائه دون ما أن تجد أثرا يعرّفك بمحرّر الكتاب أو بعصر تأليفه أو حتى بظروف تأليفه وما يجري من حواليه . وقد استثنى من كل هذه المؤلفات جميعا كتاب الرحلة أية رحلة ، الذي يمتاز كما هو معلوم بمعرفة المزيد من المعلومات عن المؤلف وهو يتحدث عن مراحل تنقلاته وعن مشاعره ، مما يرتضيه ولا يرتضبه ، هذا إلى تعرفنا على الجهات التي يمرّ بها جغرافيا وبشريا وفكريا ، فنشعر بنوع من التجديد في الفائدة ، بنوع من تمكن الكاتب من التعبير عمّا يريد أن يؤديه ، بأسلوبه الذي يتغلب به على كلّ الصّعاب ، والذي يجعله مهيمنا على إبلاغ الناس ما يريد إبلاغه من وصف للطبيعة وتقديم للظواهر التي تحف بمحيطه والبيئة التي يعيشها . . . وهكذا فإن الكتاب الذين حرروا مذكراتهم التي نطلق عليها اليوم اسم ( الرحلات ) يمثلون في واقع الأمر جانبا إبداعيا في أدبنا العربي ، ومن هنا نحسّ تلقائيا بميل نفوسنا إلى هذا النّوع من الكتابة المحببة لأن ذلك مما يعبر عما يروج في فكر الكاتب دون ما تصنّع أو انفعال ، ولأنه يجعلنا نرافقه في رحلته ، نشعر بمثل الشعور الذي كان يعيشه سواء كان ذلك الكاتب فقيها أو شاعرا أو مؤرخا أو عالم اجتماع . . . وقد عرف المغاربة من قديم بأنهم متفوّقون في أدب الرحلة وموفقون كذلك . . . يدل على هذا ما تركوه من بصمات لهم في مختلف كتب التراث العربي « 1 » . وترجع أسباب اهتمام المغاربة بالرحلة والكتابة عن تحركاتهم وخاصة في العهد الإسلامي : أولا وبالذات ، إلى أن الإسلام يجعل من الحج ركنا بارزا من أركانه ، فالمسلم وهو يفكر في الثوابت التي تجعل منه مسلما مثاليا - تنتصب أمام مخيلته الكعبة المشرفة سواء أكان في شرقها أو غربها ، خمس مرات في اليوم على الأقل يتجه إليها في صلاته وفي توسلاته . . . وهكذا يكون العامل الأول هو تحقيق الأمل في زيارة تلك البقاع التي تشدّنا إليها شدّا . . . ، ومن هنا ندرك السرّ في توجه المغربي نحو الشرق ، نحو مهد الحضارة ومهبط الوحي ، ومن ثمت كان بعض من يقصد البلاد الحجازية من الفقهاء والعلماء والأدباء لأداء

--> ( 1 ) يراجع الحديث عن محمد بن عمر التازي في بغداد ( نشوار المحاضرة i ، 337 ) والحديث عن سعد الخير الأندلسي في الصين ( نفح الطيب 2 ، 632 ) . . . أحمد أبو سعد : أدب الرحلات ، بيروت ، دجنبر 1961 .